فضاء الاغورا : ساحة النقاش الفلسفي الحر
مرحبا بكم في منتدى فيلو اكورا

فضاء الاغورا : ساحة النقاش الفلسفي الحر


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 معالم مفهوم الدين عند ماكس فيبر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
hicham.azzaiza
Admin
avatar

المساهمات : 10
تاريخ التسجيل : 13/10/2011
العمر : 30

مُساهمةموضوع: معالم مفهوم الدين عند ماكس فيبر   الجمعة 28 أكتوبر - 16:52

انجاز : ذ. إدريس صابي

بداية تحسن الإشارة إلى أن معظم ما قام به ماكس فيبر من دراسات اجتماعية وتحليلات فلسفية، هي بشكل مباشر أو غير مباشر اشتغال نقدي رصين حول معنى الدين، ووظيفته في حياة الأفراد أو الأمم، وذلك لكون تحديد مفهوم الدين، يتبوأ مكانة أساسية وجوهرية في الإشكالية العامة التي اتخذها ماكس فيبر منطلقا لإنجاز دراساته الاجتماعية والفلسفية.
كان ماكس فيبر مثيرا لكثير من الجدل بالنسبة إلى معاصريه من المشتغلين في الميدان الثقافي في صيغته الأوروبية بما تعنيه في معظمها من صرامة تنويرية وجدية نقدية، حيث كان كتابه: "الأخلاق البروتستانية وروح الرأسمالية " حالة أثارت من الدهشة والاستغراب أكثر مما حركت من حاسة الإعجاب والارتياح، إذ كيف يمكن أن ينحاز فيلسوف مثل فيبر من أشهر فلاسفة التنوير والعقلانية في أوروبا لدور الدين في دعم مسيرة الحداثة والتنوير الأوروبية، فهو يرى قدرة الدين على عقلنة السلوك الفردي، وذلك على عكس المنطق السائد بتأكيد التعارض بين النشاط الاقتصادي والممارسة الدينية والأخلاقية، وذلك باعتبار أن علم الاقتصاد الحديث هو علم عقلاني وموضوعي، في حين أن الدين يقوم على استحواذ البعد الأخلاقي على ممارسات الفرد، وليس هناك مجال للحسابات الموضوعية الرشيدة في اعتقاد أنصار هذا الرأي، وبالمقابل يؤكد فيبر على أن عملية سلب العقلانية من الدين هي نتيجة للعقلانية العملية للعالم، من جهة أخرى يرى فيبر أن ما يقدمه العقل لن يكون أقصى معرفة فكرية تتعلق بالمجال القياسي المعياري، إنما هي عبارة عن اتخاذ موقف نهائي من العالم، في حين يكشف الدين عن المعنى الحقيقي للعالم عبر إضفاء الصفة الداخلية على وضعه الاجتماعي والمعرفي، وليس ذلك بوسائل الفهم والإدراك فقط، إنما بإظهاره وإعلانه عن كاريزمية التنوير، وهنا يميز ماكس فيبر بين نوعين للدين، أو فهم الدين:
الأول: الدين الفلكلوري، ويعني به ما يقوم به الأفراد البسطاء من ممارسات تطبيقية لمضامين الدين، وذلك في حدود ما يعتقدون أنه المعنى الحقيقي للنصوص الدينية وتعاليمها، وهذا ما يعبر عنه في بعض الأحيان بمصطلح التدين، وبكل تأكيد فإن هناك اختلافا وتمييزا واضحا بيم ما يعنيه الدين باعتباره حقيقة كثيفة وغنية بالدلالة والرمزية على الدوام، وما يعنيه التدين باعتباره تمظهرا شخصيا وفهما محصورا في مستوى معين، لذلك لزم التمييز بين الأمرين، وهذا النوع من الدين "التدين" الفلكلوري هو الذي يسود لدى معظم الفئات الأكثر شعبية، أو ما يتم التعبير عنه أحيانا بالبروليتاريا غير المستقرة اقتصاديا، والتي تواجه صعوبة في إدراك المعرفة العقلانية، إذا سلمنا أن جانبا كبيرا من المعرفة العقلانية هو مكتسب ويحتاج إلى دربة ومران، وإلا فهناك نظر إلى المعرفة العقلانية على أنها استعداد أصيل في جوهر الإنسان، تبلوره الحاجة المستجيبة والمعطيات الملحة على معرفتها.
الثاني: هو الدين العقلاني أو الأخلاقي، ومعناه الدين الذي يعطي وينتج العلم والمعرفة ويمنحهما معانيهما الوظيفية، وقد أضحى هذا النوع الأخير من الإدراك الديني بمثابة مقدمة أولى كبيرة ستفضي لاحقا إلا نتائج تمد الحداثة بالعديد من الأفكار والمفاهيم الوظيفية، وهذا هو النوع الذي يركز عليه ماكس فيبر كثيرا، خصوصا في كتابه: "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" وهو ما يلاحظ جيدا من عنوان الكتاب، إذ هناك ربط واضح بين الأخلاق البروتستانتية، وبين الروح الرأسمالية، وما من شك في أن الحديث عن الرأسمالية، بله عن روحها وعمقها وجوهرها، هو حديث لا محالة عن الحداثة وأركانها، وفي مقدمتها العقلانية، ثم إن الشطر الأول من عنوان الكتاب، ونعني به: "الأخلاق البروتستانتية" يفيد أن ماكس فيبر يميز بين تجربتين داخل الديانة المسيحية، وهما التجربة البروتستانتية، بما تعيه من حداثة دينية إصلاحية متميزة، والتجربة الكاثوليكية بما تعنيه من إغراق في الأخلاقيات والزهديات وتنكب العقلانية والمصالحة مع الذات الفردية والجماعية، ومن طبيعة الحال فإن ما قام به ماكس فيبر من التمييز بين التجربتين البروتستانتية والكاثوليكية، داخل المنظومة المسيحية، يسري بكل تأكيد على باقي الديات الأخرى، فهناك دائما تجربة تنتصر لعقلنة الدين وأخذه في مساره الطبيعي في محايثة الإنسان، وهناك تجربة بالمقابل تجتبي التمسك الحرفي بالنصوص وإقصاء العامل التاريخي بشكل تام.
v طبيعة السلوك الديني عند فيبر:
يؤسس فيبر تلك الطبيعة على الاعتبار الآتي:
إن السلوك الديني هو الذي ينظم العلاقة بين الوجود الإنساني وبين القوى فوق الطبيعية، لأن كل الديانات قائمة على ركن ركين مفاده أن هناك عالما فوق طبيعي، ومنه تستمد كل الطاقات والمعاني الأخلاقية والقيمية، وهو مصدر السعادة الإنسانية، ومنه تحدد الغاية العظمى لطبيعة الكون والإنسان والوجود بصفة عامة، ومن ثمة فإن النظر الديني من هذه الناحية يقترب وينسجم مع مقتضيات النظر الفلسفي المثالي.
ما دام أن هناك عالما فوق طبيعي، وما دام يستعصي على الفهم بطريقة طبيعية، كان لزاما على الإنسان إبداع مجموعة من الرموز والعلاقات الدلالية للاتصال والتواصل مع ذلك العالم، وقد كانت هناك حوافز عملية وراء هذه السلوكات والممارسات الدينية الرمزية، وهي إرادة التأثير على القوى الخارقة، وذلك من أجل الحصول على مكاسب مادية ومعنوية، ومؤدى هذا أن الأفعال والسلوكات الدينية والسحرية، وإن كانت ترتكز على افتراض تأثير الفعل الإنساني على هذه القوى فوق الطبيعية، فإنها لا تمارس هذا التأثير إلا إذا اتخذت خاصية العبادة., أي إلا إذا كانت تعطي معنى لذاتها.
من هذا المنطلق يأتي الحديث عن مفهوم الروح عند فيبر، وذلك باعتباره مكونا أساسا من مكونات مفهوم الدين عموما، والمهم في مفهوم الروح عند فيبر أنه مهد للانتقال إلى النزعة الإحيائية لمرحلة ثانية، حيث الانتقال بالسحر إلى درجة من التجريد، وهكذا سيصبح الإنسان أمام كائنات حية، أو بعبارة أدق، أحياها في مخيلته، وهي عبارة عن جماد ونبات، حيث أصبحت في اعتقاده تدب فيها الروح ولها قوانينها غير المرئية الخاصة بها، لذلك بدأ بالانتقال إلى مستوى المرحلة الإحيائية يتبلور مفهوم أساسي هو عالم "فوق حسي" إنه يتحكم في مصير الناس بالطريقة نفسها التي يؤثر بها إنسان على الرمزي من أجل الإمساك بتلك الأرواح، بل والتواصل معها من منطلق الاعتقاد الإحيائي، وهو كما يفهم من تحليل ماكس فيبر أنه اعتقاد وظيفي ومصلحي في جانب الإنسان أكثر منه اعتقاد وثوقي غير مبرر، وهذا ما يحاول فيبر أن يلخصه بعبارة العقلانية الدينية باعتبارها تجربة ضرورية، وأساسية لتشكيل معالم التاريخ.
بناء على ما سبق ذكره تأتي أهمية أطروحة فيبر في ما يخص طبيعة الدين ومفهومه العام، وكذا تأثيره في الفكر الاجتماعي، إذ كانت أطروحته قراءة لدور القيم الدينية في ظهور قيم وأخلاق العمل في المجتمعات الصناعية الجديدة التي كانت أساس ظهور النظام الرأسمالي، فإذا كان ماركس قد جعل الدين جزء من البناء الفوقي بوصفه متغيرا تابعا للبناء الأساس الذي يتألف من علاقات قوية وقوى وأنماط الإنتاج، فإن فيبر قد حرص على عكس ذلك أن يبرز عناصر التفسير الديني للمجتمع والسلوك، خاصة ما يمكن وصفه بالسلوك في المجال الاقتصادي، وذلك في مقابلة التفسير المادي للتاريخ.
من ثمة يرى فيبر أن الرأسمالية الحديثة لم تكن في حقيقة الأمر إلا نتاجا لتلك العقيدة البروتستانتية، وكان يرى أن الكاثوليكية على عكس ذلك كما تمت الإشارة سابقا، لذلك كانت البروتستانتية صانعة للتاريخ، بل قوامه في الدائرة الأوروبية بما تعنيه من مرجعية تنويرية وعقلانية.
v الكاريزمية في تشكيل مفهوم الدين:
هناك اتفاق بين فيبر وإميل دوركايم على أن الكاريزمية تشكل أحد أنماط الديانات البدائية، حيث مثلت الشكل الأولي، والذي أساسه سيتطور قوام الديانات وديناميتها بشكل معقد، وبخصوص هذا الأمر يقول فيبر: لا يتصف بالكاريزمية السحرية إلا أولئك الذين لهم حرفة الساحر المحترف على عكس الإنسان العادي "الدنيوي" بالمعنى السحري للكلمة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن وصف الديانات بالبدائية ليست له أي حمولة قدحية أو معيارية على الإطلاق، بل المقصود به تحديد مرحلة تأسيسية للتجربة الدينية في ارتباطها بالتجربة الدينية بشكل عام، كما أن الكاريزمية هنا تؤخذ في سياق فاعليتها المعنوية وما تمد به الإنسان من طاقة إبداعية وحركية منقطعة النظير، وهي التي ستطور إلى إحيائية، لكنها لم تفقد مع ذلك وظيفتها.نستنتج مما سبق أن الكاريزمية هي حاجة إنسانية، وذلك من منطلق أنها المسلك الآمن للتعبير عن الروح الجماعية التي تلازم التجمع الإنساني، وهذا ما جعلها تلبس لبوسا دينيا في ما بعد، حتى بعد تحولها إلى إحيائية، لأن الإحيائية بدورها كانت مرحلة من التطور لا بد منها، حيث إن الكاريزمية في تمظهرها الأول افتقدت إلى خاصية الثبات والاستقرار، لأنها مرتبطة بالتشخص في أفراد من الجماعة، وهذا ما يؤدي دوما إلى انتقالها من فرد إلى آخر بعد فقدان الفرد الأول، لكنها في مرحلة الإحيائية حققت استقرارا وثباتا أطول نسبيا من المرحلة الأولى، وجدير بالذكر هنا أن الكاريزمية الدينية باعتبارها طريقا إلى أداء وظيفة الانتماء إلى الجماعة وتحقيق التماسك والطمأنينة العملية المطلوبين، لم تختف من التاريخ الإنساني حتى في مراحله المتقدمة جدا على كل المستويات، فلا زلنا نلاحظ ظاهرة الولاية الدينية، والإحيائية بشتى مظاهرها، وربما تفسير ذلك ما تمت الإشارة إليه من الأداء الوظيفي لظاهرة الكاريزمية على امتداد تاريخ تمظهراتها ومختلف تلوناتها.
v مفهوم الدين عند فيبر وعند الفلاسفة:
يصنف الفلاسفة الدين عادة على أنه مجاور للفلسفة من حيث أغلب موضوعاته، لكنه غريم لها على اعتبار آليات اشتغال كل منهما على حدة، وذلك من منطلق أن الفلسفة تختص، شأنها شأن الدين، بوضع إجابات عن أسئلة نهائية معينة، والأسئلة التي يشترك الميدانان بوضوح هي أصل الإنسان ومصيره، وعلاقته بالكون الذي يعيش فيه، وطبيعة الله، وعلاقة الإنسان بالله، وخلود النفس، وحرية الإرادة، وعلاقة السلوك الإنساني بالسعادة الإنسانية، ولا شك أن اشتراك الميدانين، من حيث الموضوع، في مثل هذه المشكلات الكبرى، يكفي في ذاته لكي يجعل الميدانين يتداخلان تداخلا جزئيا، ومع ذلك فهناك على الأقل أربعة أمور تفصل بين الميدانين فصلا أوضح بكثير، فمن الملاحظ أولا أنه بينما نجد أن جزء كبيرا من الموضوعات التي يبحثانها مشترك بينهما، فإن جزءا كبيرا منها مختلف أيضا، فالفلسفة مثلا تتعمق في مشكلة قدرة الذهن على معالجة تجربته معالجة كافية، أما الدين فيحل هذه المشكلة عادة بافتراض مصدرين للمعرفة، هما العقل والإيمان، ولا يحلل قدرات أي منهما على النحو الذي تنتهجه الفلسفة، كذلك فإن الفلسفة أكثر اهتماما بالمشكلات العلمية وشبه العلمية، كأصل الكون المادي، وتاريخه، وقوانينه، وتركيبه العام، وأصل الحياة وتطورها، وطبيعة العلية وما إلى ذلك، ويمكن القول بوجه عام، أن مجال نشاط الفيلسوف أوسع من مجال نشاط رجل الدين، ومن ثم فإن المشكلات التي يعالجها الفيلسوف تشمل نطاقا أوسع بكثير.
يضاف إلى هذا أن الفلسفة تنظر إلى أن هدف الدين هو إعطاء أتباعها إحساسا بالسلام والانسجام، وأفضل وسيلة يحقق بها هذا الهدف هي أن تفترض عالما يكون فيه للفرد قيمة وغاية، ويكون فيه لحياته معنى لشيء أو لشخص غيره هو ذاته وغير المقربين إليه، فإذا لم يستطع رجل الدين أن يجد أسبابا عقلية لهذا الاعتقاد، فإنه يجعل العقل خاضعا، ويهيب بالإيمان أن يمده بالاقتناع الذي يفتقر إليه، وعلى قدر ما يطلب الفيلسوف رضا عقليا، يطلب الشخص المتدين رضا انفعاليا، وكل نوع من الدهنيين تتملكه الحيرة عادة حين يجد الآخر قانعا بهذا المستوى في الرضا، وكل منهما يجد في الطرف الآخر في أغلب الأحيان، شخصا ينظر إليه شذرا وبحذر شديد.
هذا ملخص نظر معظم الفلاسفة إلى مهمة الدين في حياة الأفراد والجماعات، وعلى نقيضها تماما نجد أطروحة ماكس فيبر حيث يرى، كما أسلفنا الذكر: أن الدين لا تعوزه العقلانية، وأن الذي يعوز من يتأمله هو أن يأخذه في مساراته الحقيقية وأبعاده الوظيفية، ومن ثمة فإن العلاقة في الحقيقة هي علاقة تكاملية.
· خلاصة:
يرتكز مفهوم الدين عند فيبر على الأسس الآتية:
التمييز بين نوعين من أنواع الدين: العقلاني من جهة، والأخلاقي من جهة ثانية، والذي يركز عليه في الحداثة الدينية هو العقلاني البروتستانتي.
ثم هناك الكاريزمية لما لها من تأسيس في الدين ووظيفة متجددة على الدوام، كما تأتي بعض المفاهيم الجزئية والفرعية لتشكل المفهوم العام للدين كمفهوم الروح والإحيائية وغيرهما، وأخيرا لا يجد ماكس فيبر غضاضة في إضفاء صفة العقلانية على الدين في صبغته البروتستانتية مجنبا نفسه الحكم على التجربة الدينية بحكم عام هو الوثوقية والرضا الانفعالي.

· المراجع:
الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ماكس فيبر.
الاقتصاد والمجتمع، ماكس فيبر.
سوسيولوجيا ماكس فيبر، جوليان فروند.
الفلسفة أنواعها ومشكلاتها
، هنترميد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://espaceagora.ibda3.org
 
معالم مفهوم الدين عند ماكس فيبر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فضاء الاغورا : ساحة النقاش الفلسفي الحر :: علم الاجتماع-
انتقل الى: